هل الذكاء الاصطناعي أداة لتجهيل الجيل وموت مجال الإبداع؟

صورة أرشيفية
أستاذ هندسة: الذكاء الاصطناعي سيحل محل كل ما هو نمطي حتى لو بدا مبدعًا

منذ القدم كان الإبداع حكرًا على الإنسان، حيث كان الفن والأدب والتصميم وغيرهم من الفعاليات الإبداعية يعتبرون من نتاج العقل البشري والمشاعر والتجارب الشخصية، ولكن مع التطور التكنولوجي السريع تغيرت هذه النظرة، وأصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على محاكاة بعض قدرات الإنسان الإبداعية، فالآلة الذكية قادرة على تحليل الأعمال الفنية والأدبية السابقة واستخلاص العوامل المؤثرة في نجاحها، وبناءً على هذه المعرفة يمكنها توليد أعمال فنية أو كتابية جديدة تتماشى مع أذواق الجمهور، كما يمكنها التعلم من التجارب والملاحظات البشرية وتطوير نفسها لتصبح أكثر إبداعًا وفعالية، وقد يثير هذا التحول بعض التساؤلات والمخاوف حول مستقبل إبداع هذا الجيل البشري، فهل الذكاء الاصطناعي أداة لتجهيل الجيل وموت مجال الإبداع؟

قالت ميرا سمير، كاتبة محتوى، إنها تستخدم تقنية الذكاء الاصطناعي كوسيلة مساعدة فقط في البحث والحصول على عناوين أو أفكار لفقرات ثم تقوم بإعادة صياغتها مع إضافة الكلمات المفتاحية، لكنها لا تعتمد عليه بشكل كامل لأنه من الممكن أن يتسبب في بلادة فكرية ويصيب العقل بالكسل تجاه الكتابة والإبداع، مضيفة أن الكاتب يجب أن يتصرف ككاتب يكتب يوميًا وينتج أفكارًا إبداعية إلى جانب وضع قلبه ووجدانه في كل جزء في المحتوى الذي تكتبه أنامله حتى لا يخسر ما يميزه عن الإنسان الآلي، موضحة أنها أصبح لديها قدرة كبيرة على التفرقة بين المحتوى البشري والمكتوب بواسطة الذكاء الاصطناعي.

العلاقة بالإبداع

وأوضحت آية أبو السعود، الطالبة بكلية الحاسبات والمعلومات، أن العلاقة بين الإبداع والذكاء الاصطناعي شراكة لا منافسة، فعلى الرغم من التقدم الهائل الذي يحققه الذكاء الاصطناعي في مجال الإبداع، فإنه من الضروري أن نفهم أن الآلات لن تحل محل الإنسان في هذا المجال، بل ستكون شريكًا مساعدًا له، فالإبداع ليس مجرد تراكم للمعرفة والبيانات، بل هو تعبير عن الروح الإنسانية وتجربتها وإدراكها للعالم، مضيفة أن الإنسان قادر على التفكير العقلاني والعاطفي والتعبير عن مشاعره بطرق متعددة ومتنوعة، وهذا ما يميز الأعمال الإبداعية التي ينتجها، فهي تحمل بصمة فريدة لكل فرد وتعبر عن وجهات نظر متعددة، وهذا يجعل الإبداع البشري لا يضاهى.

وذكر عبد العزيز محمد، الطالب بكلية الإعلام، أنه يستعين بالذكاء الاصطناعي في عمل التكليفات الدراسية عندما يريد إنجازها في أسرع وقت ممكن، لكنه لا يعتمد عليه بشكل كلي، حيث يطلب منه كتابة مقدمات محددة تصف الموضوع الذي يكتب عنه، وأحيانًا يستعين به في الحصول على أفكار أو مراجع، مضيفًا أنه لا يعجبه ما يدونه الذكاء الاصطناعي في كثير من الأحيان لكنه يوفر الوقت والجهد لذلك يقوم بإعادة صياغة الجمل التي لم تعجبه مرة أخرى.

صورة أرشيفية

وترى أمل صالح، 25 عامًا، أن تبعات تأثير الذكاء الاصطناعي على الإبداع لا تقتصر على الشخص المسؤول عن عملية الابتكار فقط، بل على المتلقي كذلك، حيث ترى أن الفكرة الجيدة لا تأتي إلا عند وجود عدد من الأشخاص القادرين على فهمها والإحساس بها، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يضعف قدراتنا على الابتكار والتأمل والتواصل، مضيفة «لو مشينا في الطريق السهل ممكن نفقد قدرتنا على إدراك صوتنا الخاص، والإبداع من أساسياته إننا نعرف صوتنا ونفكر بنفسنا ونستوعب المعلومات بنفسنا بدلًا من إن يعمل ده طرف ثاني بالنيابة عننا».

وأكد علي كمال، مدرب كتابة محتوى، تمتع الذكاء الاصطناعي والبشري بقدرات فريدة تميز كلاهما، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على قوانين البرمجة والتحليل الكمي لإنتاج أعمال إبداعية ويستخدم خوارزميات التعلم والتكنولوجيا، بينما يمتلك الإنسان قدرة إبداعية تمكنه من حل المشكلات المعقدة ويستخدم التفكير والخبرات الشخصية لبناء الأفكار المبتكرة ويعتمد على القدرات العاطفية للوصول إلى نتائج إبداعية، ومع ذلك، هناك اختلافات أساسية بين الذكاء الاصطناعي والبشري، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على البيانات المبرمجة، بينما يعتمد الإنسان على التفكير الابتكاري والخبرة الشخصية ويتمتع بالقدرة على تطوير أفكار فريدة بناءً على التجارب الحياتية والتفاعلات الاجتماعية؛ لذلك يرى أنهما يتممان بعضهما البعض.

وأشارت حبيبة محمد، كاتبة، إلى أنها تستخدم الذكاء الاصطناعي يوميًا سواء في عملها أو في اهتماماتها الشخصية، ومن خلال تجربتها ترى أنه من المستحيل أن يحل محل الإنسان مهما وصل لدرجة عالية من التطور، لكنه من الممكن أن يستبدل أي إنسان لا يستطيع أن يستخدمه ولا يطور من نفسه باستمرار، مضيفة «أعتقد لو فيه مؤسسة في يوم قررت إنها تقلل العمالة وتعتمد على الذكاء الاصطناعي أظن أن الشخص اللي مش هتستغنى عنه هو الشخص اللي بيقدر يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بشكل كويس»، حيث ترى أن تعلم التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي أصبح لا يقل أهمية عن تعلم المهارات المختلفة لأي وظيفة.

«والله مش ببالغ ولا بفضل الذكاء الاصطناعي عن المبدعين اللي بنشوفهم بس بجد الموضوع لسه في البدايه وواخد سكة مرعبة وكفيل يقعد ناس كتير في البيت الفتره الجاية»، بهذه الكلمات أعرب حسام محمد، مصور فوتوغرافي، عن إعجابه بالصور التي ينتجها الذكاء الاصطناعي؛ حيث يرى أن أقوى شيء يقدمه هو قدرته على إكمال الصور بشكل احترافي، مضيفًا «أنا كنت عامل لصورة تعديل من سنتين وخدت وقت كتير جدًا عشان تطلع بالمنظر اللي عايزه والنهارده بعمل نفس الصورة بضغطة زرار»؛ لذلك يرى أنه من الأفضل استغلال الذكاء الاصطناعي في عمله للحصول على نتائج إبداعية.

من جانبه قال الدكتور باسم أمين، الأستاذ بكلية الهندسة جامعة عين شمس، إن الذكاء الاصطناعي سيحل محل كل ما هو نمطي حتى لو بدا مبدعًا، فعلى الرغم من أن الذكاء البشري لا يقارن، فإن تقدم الذكاء الاصطناعي سيكون مبهرًا في عمل أشياء تبدو مبدعة ولكنها مكررة ولا ندري، فمثلًا كتابة القصائد الشعرية أحيانًا يُخيل إلينا أنها إبداع لكنها في الحقيقة لها نمط ومن الممكن أن تتضمن 40% من الشعر و60% إبداع حقيقي، فإذا توفر للذكاء الاصطناعي استيعاب الأنماط التي تمثل 40% نتيجة توفر كم كبير من البيانات والخوارزميات وتوافر معالجات بسرعة كبيرة سيستطيع أن يعمل مثلهم أي سيقضي على مدعي الإبداع، لكن المبدع الحقيقي الذي يمثل 60% سيظل مكانه محفوظ.

وأضاف «أستاذ الهندسة»، أن أول شخص كتب برنامج «game» مثل الفيفا كان مبدعًا، ثم قلده آخرون باختلافات، فإذا أراد شخص أن يعمل «fifa game» مرة أخرى سنجد الذكاء الاصطناعي ينافسه ومن الممكن أن يتفوق عليه نتيجة استيعاب الآلة لكم من الأنماط لن يقدر على استيعابها البشر، لكن إذا أراد أحد أن يعمل لعبة جديدة مثل أول مبدع على غير سابق مثل لعبة لتعليم العمليات الجراحية، لن يقدر الذكاء الاصطناعي على منافسته، مختتمًا أن الذكاء الاصطناعي يكشفنا أمام أنفسنا إذا كنا مبدعين أو مقلدين وسيقتل الوظائف القائمة على تكرار النمط استغلالًا لجهل المستخدم.

Scroll to Top